▶

"الفن والدراما في زمن الاستبداد: تحليل عميق مع الفنان عمرو واكد في بودكاست الطريق"

689 مشاهدة
2025 Apr

لطالما ارتبط الفن بالسياسة والمجتمع، حتى عندما يحاول الفنان الابتعاد عن الخطاب السياسي المباشر.

فالسينما والدراما لا تتحركان في فراغ، بل تعكسان القيم والصراعات والظروف الاجتماعية التي يعيشها الناس، كما تتأثران بالقوانين والرقابة والتمويل والجهات التي تملك القدرة على الإنتاج والتوزيع.

وفي هذه الحلقة من بودكاست الطريق، يحاور محمد جمال هلال الفنان المصري عمرو واكد حول واقع الفن والدراما في العالم العربي، وتأثير الأنظمة السياسية في حرية الفنان واختياراته، إضافة إلى تجربته الشخصية في مصر وخارجها.

ويطرح واكد رؤية نقدية حادة، ويرى أن المجتمعات التي تعاني الاستبداد تنتج غالبًا فنًا أقل قدرة على التعبير الحر عن الواقع.

لكن هذه الفكرة تحتاج إلى نقاش أوسع.

فالتراجع الفني لا ينتج بالضرورة عن الرقابة السياسية وحدها.

هناك عوامل أخرى مثل التمويل، وطبيعة السوق، والاعتماد على الإعلانات، وتغير ذوق الجمهور، وصعود المنصات الرقمية، وتحول صناعة الدراما إلى إنتاج موسمي سريع.

ومع ذلك يبقى السؤال الأساسي مهمًا: هل يستطيع الفن أن يكون حرًا عندما تكون البيئة السياسية نفسها محدودة المساحة؟

كيف يؤثر الاستبداد في الفن والدراما وصناعة السينما العربية؟

الرقابة والإبداع

يتحدث عمرو واكد في الحلقة عن غياب السينما العربية القوية وعن ما يسميه «السينما البلاستيك»، ويقصد بها أعمالًا تبدو مصقولة في الشكل لكنها بعيدة عن الواقع الحقيقي للمجتمع.

وهذه الفكرة ترتبط بمشكلة قديمة في علاقة الفن بالسلطة.

فالفنان يحتاج إلى مساحة يستطيع داخلها طرح الأسئلة، بما في ذلك الأسئلة غير المريحة.

يمكن للسينما أن تناقش الفقر والفساد والعنف والتمييز والظلم والعلاقات الاجتماعية ومشكلات المؤسسات.

لكن عندما يشعر الكاتب أو المخرج بأن الاقتراب من بعض الملفات قد يؤدي إلى منع العمل أو فقدان فرصة الإنتاج، تبدأ ظاهرة الرقابة الذاتية.

وهي أحيانًا أخطر من الرقابة الرسمية.

فالرقابة الرسمية تخبر الفنان بما هو ممنوع.

أما الرقابة الذاتية فتجعله يحذف الفكرة قبل أن يكتبها أصلًا.

ومع الوقت يمكن أن تتجه الصناعة نحو القصص الأكثر أمانًا: العلاقات العاطفية والكوميديا الخفيفة والصراعات العائلية، بينما تختفي قضايا سياسية واجتماعية أكثر حساسية.

لكن من الخطأ أيضًا القول إن كل عمل ترفيهي سطحي أو أن الفن يجب أن يكون سياسيًا طوال الوقت.

الجمهور يحتاج إلى الكوميديا والرومانسية والترفيه مثلما يحتاج إلى الدراما الاجتماعية.

المشكلة تظهر عندما يصبح نوع واحد فقط من القصص ممكنًا، بينما يصبح تناول موضوعات أخرى شبه مستحيل.

ويتحدث واكد كذلك عن السينما في عهد رؤساء مصر المختلفين.

وتاريخ السينما المصرية يكشف أن العلاقة بين السلطة والفن مرت بمراحل مختلفة.

في بعض الفترات دعمت الدولة صناعة السينما ومؤسساتها، وفي فترات أخرى توسعت الرقابة أو تغيرت طبيعة الإنتاج.

لكن الفن المصري ظل في مراحل كثيرة قادرًا على إنتاج أعمال تنتقد المجتمع والبيروقراطية والفساد بصورة مباشرة أو رمزية.

وهذا يوضح أن العلاقة ليست بسيطة.

حتى داخل النظام السياسي المغلق يمكن للفنان أن يستخدم السخرية والرمز والاستعارة لتجاوز القيود.

ولهذا أصبحت الرمزية جزءًا مهمًا من تقاليد السينما العربية.

فالمخرج قد يحكي قصة قرية صغيرة، بينما يكون المقصود الحديث عن دولة كاملة.

وقد يقدم شخصية مسؤول فاسد دون الإشارة إلى شخصية سياسية محددة.

وهكذا يستطيع الفن أحيانًا أن يقول ما لا يستطيع المقال السياسي قوله مباشرة.

الفنان والسياسة

من المحاور المهمة في الحلقة سؤال: هل عمرو واكد فنان أم سياسي؟

وهو سؤال يلاحق الكثير من الفنانين الذين يعلنون مواقف سياسية واضحة.

هل يفقد الفنان دوره عندما يدخل السياسة؟

الأمر يعتمد على معنى «دخول السياسة».

الفنان مواطن في النهاية، وله الحق في التصويت والتعبير عن رأيه وتأييد موقف أو رفضه.

ولا يوجد سبب يجعل الممثل أقل حقًا في إبداء رأيه من الطبيب أو المهندس.

لكن المشكلة تظهر عندما يصبح تقييم العمل الفني مرتبطًا بالكامل بالموقف السياسي لصاحبه.

قد يحب الجمهور فيلمًا لممثل يختلف معه سياسيًا.

وقد يرفض موقف فنان لكنه يعترف بجودة أدائه.

المجتمع الذي لا يستطيع الفصل بين الفن وموقف الفنان يدخل في مشكلة.

فإذا أصبح كل خلاف سياسي سببًا لمنع الأعمال أو مقاطعة الشخص نهائيًا، تتقلص مساحة الإبداع.

وفي المقابل لا يستطيع الفنان أن يطالب بحصانة كاملة من النقد بحجة أنه فنان.

إذا قرر الدخول إلى النقاش السياسي، فمن الطبيعي أن يُناقش ويُنتقد مثل أي شخص آخر.

ويتحدث عمرو واكد عن الثمن الذي دفعه نتيجة مواقفه، وعن خروجه من مصر واستمرار عمله في الخارج.

وتجربته توضح أحد أهم التحديات التي يواجهها الفنان العربي: هل يستطيع الاستمرار مهنيًا إذا أصبح مختلفًا سياسيًا مع الدولة أو المؤسسات المسيطرة على الصناعة؟

الإنتاج الفني يحتاج إلى شركات وقنوات وتصاريح وموزعين.

ولذلك فإن الفنان أكثر اعتمادًا على شبكة مؤسسات من الكاتب الذي يستطيع نشر مقال على الإنترنت مثلًا.

وهذا يجعل الضغط الاقتصادي وسيلة فعالة جدًا.

ليس من الضروري دائمًا إصدار قرار رسمي بمنع الفنان.

يمكن ببساطة ألا يحصل على أدوار.

وهنا يصبح المنع غير المباشر أكثر صعوبة في القياس والإثبات.

ويطرح واكد كذلك دور نقابات الفنانين.

من المفترض أن تحمي النقابة الحقوق المهنية للفنان، لكنها تعمل في الوقت نفسه داخل النظام القانوني والسياسي للدولة.

ومن هنا قد يظهر خلاف حول دورها: هل تدافع عن الفنان مهما كان موقفه السياسي، أم تتدخل عندما ترى أن مواقفه تضر بصورة الدولة أو المهنة؟

وهذا الجدل لا يخص مصر وحدها.

في دول كثيرة شهد التاريخ صراعات بين الفنانين والنقابات والمؤسسات بسبب السياسة والحروب والمواقف العامة.

هل يستطيع الفن العربي أن يصبح صوتًا للمجتمع والقضايا الكبرى؟

فلسطين على الشاشة

يتناول عمرو واكد في الحلقة الأعمال العربية التي ناقشت فلسطين، وهي قضية مهمة لأن فلسطين واحدة من أكثر القضايا حضورًا في الخطاب العربي، لكن حضورها في الأعمال الفنية الكبرى لا يتناسب دائمًا مع حجمها السياسي والإنساني.

هناك أعمال فلسطينية وعربية مهمة تناولت الاحتلال والتهجير واللاجئين والحروب، لكن الصناعة العربية لم تنتج باستمرار أفلامًا ومسلسلات عالمية الانتشار عن القضية.

وهنا توجد عدة أسباب.

أولها التمويل.

الأعمال التاريخية والسياسية الكبيرة تحتاج إلى ميزانيات مرتفعة.

وثانيها الخوف من الخلافات السياسية، لأن القضية الفلسطينية نفسها تحتوي على فصائل ومواقف وروايات متعددة.

وثالثها سؤال الجمهور العالمي.

إذا كان الهدف الوصول إلى المشاهد العربي فقط يمكن الاعتماد على معرفة مسبقة بالقضية.

لكن الفيلم الذي يريد الوصول إلى أوروبا وأمريكا يحتاج إلى تقديم الخلفية بصورة يستطيع شخص لا يعرف تاريخ المنطقة فهمها.

وهنا تظهر أهمية الفن بصورة مختلفة عن الخطاب السياسي.

الخطاب يقول للجمهور ما هو الموقف.

أما الفيلم الجيد فيجعله يعيش تجربة الإنسان.

قد يشاهد شخص غربي قصة عائلة فلسطينية ويبدأ في فهم معنى الحاجز أو اللجوء أو فقدان المنزل من خلال شخصية يحبها، وليس من خلال تقرير سياسي.

وهذا هو أحد أقوى أشكال التأثير الثقافي.

الفن لا يغير السياسة فورًا، لكنه يستطيع تغيير الطريقة التي يرى بها الجمهور البشر الموجودين داخل الصراع.

ولهذا فإن الدول تستثمر في السينما والقوة الناعمة.

ويتحدث واكد في الحلقة كذلك عن السعودية والفن المصري.

خلال السنوات الأخيرة أصبحت السوق السعودية عنصرًا أكبر في صناعة الترفيه العربية من خلال التمويل والمهرجانات والمنصات والإنتاج والحفلات.

وهذا التحول يخلق فرصًا ضخمة للفنانين العرب، لكنه يثير كذلك نقاشًا حول انتقال مراكز التمويل والتأثير في الصناعة.

فالجهة التي تمول تمتلك بصورة طبيعية قدرًا من التأثير في نوع المحتوى الذي يتم إنتاجه.

وهذا ليس خاصًا بالحكومات.

حتى شركة تجارية لن تمول عملًا تعتقد أنه لا يخدم مصالحها أو جمهورها.

ولهذا فإن استقلال الفن يحتاج إلى تنوع مصادر التمويل.

كلما كانت الصناعة تعتمد على جهة واحدة، زاد نفوذ هذه الجهة.

أما عندما توجد شركات ومنصات ومهرجانات ومستثمرون متعددون، يصبح الفنان أكثر قدرة على الاختيار.

منصة فنية مستقلة

يناقش عمرو واكد في نهاية الحلقة تصوره لإنشاء منصة فنية عربية، وهو طرح يرتبط بالتغير الكبير الذي أحدثته المنصات الرقمية.

في الماضي كان الفنان يحتاج إلى شاشة تلفزيونية أو دار عرض حتى يصل إلى الجمهور.

اليوم يستطيع الفيلم أو المسلسل أن يصل إلى عشرات الدول عبر منصة واحدة.

وهذا يخلق فرصة أمام صناع المحتوى الذين لا يجدون مساحة داخل القنوات التقليدية.

لكن إنشاء منصة مستقلة ليس أمرًا سهلًا.

المشكلة ليست في التكنولوجيا وحدها.

يمكن بناء موقع أو تطبيق بسرعة نسبيًا، لكن إنتاج المحتوى الجيد يحتاج إلى ميزانيات ضخمة.

كما أن المنصة تحتاج إلى اشتراكات أو إعلانات أو مستثمرين حتى تستمر.

وهنا يعود السؤال نفسه: كيف تمول الفن دون أن يصبح الممول صاحب القرار الكامل؟

يمكن أن يكون أحد الحلول الاعتماد على اشتراكات الجمهور.

عندما يدفع المشاهد مقابل المحتوى، يقل اعتماد المنصة على الحكومة أو المعلن.

لكن هذا النموذج يحتاج إلى جمهور كبير مستعد للدفع.

وفي المنطقة العربية ما تزال القرصنة وضعف الدفع الرقمي في بعض الأسواق تحديين مهمين.

ومع ذلك فتحت المنصات أبوابًا لم تكن موجودة من قبل.

يمكن إنتاج فيلم مستقل بميزانية محدودة والوصول إلى جمهور دولي.

ويمكن لصانع عربي تقديم عمل لا يناسب التلفزيون التقليدي لكنه يجد جمهورًا على الإنترنت.

وهذا قد يساعد على ظهور قصص أكثر تنوعًا.

كما أن التعاون مع الإنتاج العالمي يمثل مسارًا آخر.

عمرو واكد نفسه شارك في أعمال دولية، وهو نموذج للفنان العربي الذي يعمل خارج الصناعة المحلية ويصل إلى جمهور أوسع.

لكن النجاح الفردي لا يعوض وجود صناعة محلية قوية.

الهدف ليس أن يهاجر أفضل الفنانين فقط، بل أن تصبح المنطقة نفسها قادرة على إنتاج أعمال تنافس عالميًا.

وهذا يتطلب الاستثمار في الكتابة والإخراج والتقنيات والتعليم الفني، وليس فقط بناء استوديوهات ضخمة.

فالسينما تبدأ من قصة قوية.

يمكن إنفاق ملايين الدولارات على الصورة والمؤثرات، لكن إذا كان السيناريو ضعيفًا فلن يصنع ذلك فيلمًا عظيمًا.

وهنا تعود فكرة «السينما البلاستيك» التي يناقشها واكد.

قد يصبح العمل شديد الجمال من الناحية البصرية لكنه لا يقول شيئًا حقيقيًا عن المجتمع.

والعكس صحيح أيضًا.

الرسالة السياسية وحدها لا تصنع عملًا فنيًا جيدًا.

الفيلم الذي يتحول إلى خطاب مباشر قد يفقد تأثيره حتى لو كانت قضيته عادلة.

ولهذا يحتاج الفن إلى التوازن بين القيمة الفنية والموقف.

وتكشف حلقة «الفن والدراما في زمن الاستبداد» أن الصراع حول الفن لا يتعلق فقط بالرقابة والمنع.

هناك سؤال أعمق حول وظيفة الفن نفسه.

هل مهمته إرضاء الجمهور؟

هل يقدم الترفيه؟

هل ينتقد الدولة؟

هل يدافع عن المظلوم؟

في الحقيقة يستطيع الفن أن يفعل كل ذلك، وليس من الضروري أن يتحول كل فنان إلى ناشط سياسي.

لكن المجتمع الصحي يحتاج إلى مساحة تسمح بوجود الأنواع المختلفة.

فنان يقدم الكوميديا، وآخر يصنع فيلمًا سياسيًا، وثالث يتناول قضية فلسطين، ورابع يرفض السياسة تمامًا.

القوة الحقيقية للصناعة لا تأتي من وجود رسالة واحدة، بل من تعدد الأصوات.

ولهذا فإن حرية الفن ليست قضية تخص الفنانين وحدهم.

هي مرتبطة بقدرة المجتمع على رؤية نفسه من زوايا متعددة.

الفيلم يستطيع أن يكشف مشكلة لا يريد الناس مناقشتها، أو يجعلهم يتعاطفون مع شخص يختلفون معه، أو يحفظ لحظة تاريخية للأجيال المقبلة.

وحين تصبح كل القصص متشابهة خوفًا من السياسة أو السوق، يخسر المجتمع جزءًا من ذاكرته.

ومن هنا فإن مستقبل الدراما العربية يحتاج إلى أكثر من زيادة عدد المسلسلات والأفلام.

يحتاج إلى كتاب ومخرجين قادرين على التجربة، وتمويل متعدد، ومؤسسات تحمي الفنان، ومساحة تسمح بالنقد، وجمهور يميز بين الاختلاف السياسي والقيمة الفنية.

فالفن الذي يعمل بحرية لا يعني فنًا معارضًا بالضرورة، لكنه يعني فنًا يستطيع أن يختار ما يريد أن يقوله دون أن يكون الخوف هو العامل الأول في هذا الاختيار.

قد يعجيك أيضاً

عرض الكل

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي | بودكاست فنجان

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي | بودكاست فنجان

الأكثر مشاهدة - Most Watched

422997 مشاهدة
2022 Dec
لماذا خسر المسلمون الحضارة العربية | بودكاست فنجان

لماذا خسر المسلمون الحضارة العربية | بودكاست فنجان

Podcast

7302 مشاهدة
2023 Mar
مع محافظ صندوق الاستثمارات العامة | بودكاست سقراط

مع محافظ صندوق الاستثمارات العامة | بودكاست سقراط

Podcast

5349 مشاهدة
2023 Mar
كيف أصبحنا جيلًا هشًّا نفسيًا | بودكاست فنجان

كيف أصبحنا جيلًا هشًّا نفسيًا | بودكاست فنجان

Podcast

14099 مشاهدة
2023 Sep
المال الحلال مع محمد أبو النجا نجاتي | لقاء مع د. شيرين حلمي

المال الحلال مع محمد أبو النجا نجاتي | لقاء مع د. شيرين حلمي

الأكثر مشاهدة - Most Watched

11155 مشاهدة
2025 Jan
كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي, بودكاست فنجان

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي, بودكاست فنجان

الأكثر مشاهدة - Most Watched

23220 مشاهدة
2025 Jan